من هم الأريسيون
أحدث المشاركات
جاري جلب احدث المواضيع ...

من هم الأريسيون



في عام 627 للميلاد وصلت لإمبراطور الإمبراطورية الرومانية الشرقية "فلافيوس أغسطس هيراكلوس" و المعروف عند العرب بإسم هرقل رسالة عجيبة لم يتعود أباطرة الروم إستقبال مثلها.

فالإمبراطور المنتشي بنصر عظيم أمام عدو دولته اللدود "دولة الفرس الساسانيين" جعله يقارن نفسه في العظمة بأبطرة كجوستنيان و قسطنطين الكبير لم يكن يتوقع أن يأتيه بعد ذلك إلا خطابات الخضوع و التبعية ! كما لم يكن راعي الكنيسة الشرقية يتوقع و هو الذي مازال لتوه قد انهى فض الخلاف الناتج عن مجمع خلقيدونية حول طبيعة السيد المسيح أهي "طبيعتان في شخص واحد" أم طبيعة واحدة من جوهرين و طبعين مختلفين".. ان يعيده خطاب قادم من صحراء العرب لخلاف مجمع نيقية الأول و الذي كان يتصور انه انتهى للأبد و هو موضوع "وحدانية الله" !
كان نص تلك الرسالة كالآتي "بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم: سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإني أدعوك بدعوة الإسلام، أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ).
فمن هم الأريسيون، و لماذا حمّل رسول الله صلى الله عليه و سلم امبراطور القسطنطينية إثم ما حلّ بهم ؟
تعرض الكثير من المؤرخين القدامى لتفسير هذه الرسالة التي اعتبرت بلا شك اعلانا عن قيام الدولة الاسلامية في المدينة المنورة لكن عبارة "الأريسيين" التي وردت بها لم تحض بالإهتمام الذي تستحقه فبعضهم فسرها بانها تعني "فقراء و فلاحي الروم" و تجاهلها آخرون اما اصحاب افضل تفسير فقالوا انهم "مذهب من مذاهب النصارى" دون تفصيل !
لكن تلك العبارة في حقيقة الأمر هي أهم عبارة في الخطاب بأسره و هي التي دفعت بهرقل للإهتمام بالرسالة و جعله يأمر بالبحث عن عربي يستطيع ان يخبره اكثر عن هذا الرجل في صحراء العرب الذي ارسل يخاطبه في مسألة هي من اعقد و اخطر المسائل التي عرفتها الدولة البيزنطية في تاريخها.

فالأريسيون هم فعلا مذهب من مذاهب النصارى كانت الإمبراطورية البيزنطية تتخيل انها قضت عليه نهائيا منذ عدة سنوات يعتقد منتسبوه بوحدانية الله عز و جل و بأن المسيح عليه السلام عبد الله و رسوله... و سمي هؤلاء بالأريوسيين نسبة لقس أمازيغي يدعى أريوس كان زعيم المعارضين لعقيدة التثليث التي اقرها مجمع نيقية في العام 325 للميلاد.

ولد آريوس في مدينة قورينية في ليبيا الحالية (و هي تسمى حاليا مدينة شحات في غرب ليبيا) حوالي عام 256 للميلاد من عائلة أمازيغية أصيلة، سافر في صغره إلى الإسكندرية و إلى أنطاكية أين تلقى تعليمه اللاهوتي على يد أحد أشهر معلمي النصرانية في عصره لوسيان الأنطاكي (أو لوسيان الشهيد) و هو الذي تعتبره الكنيسة قديسا ليومنا هذا... عاد بعدها للإسكندرية عاصمة ولاية مصر الرومانية ليصبح شماسا و واعضا في كنائسها.. و بفضل مهاراته في الخطابة و سلامة عقيدته اصبح آريوس بسرعة أحد أشهر قسيسي النصرانية في عصره.

و لما بلغ سن الخامسة و الخمسين ضهر في الإسكندرية خلاف خطير حول عقيدة النصرانية حيث بدأ أسقف الإسكندرية ألكسندروس بنشر فكرة هي أقرب للوثنية منها للديانات التوحيدية مفادها بأن المسيح عليه السلام هو ابن الله و إله كامل الربوبية.. و لقيت تلك الفكرة الإستحسان من القادة العسكريين الرومان الذين كانوا ما يزالون على الديانة الوثنية لما في ذلك من تقريب بين معتقدات الدولة و معتقدات غالبية الشعب النصراني وقتها ! لكن آريوس وقف كالصقر معارضا لما وصفه كفرا و خروجا عن العقيدة النصرانية السليمة التي جاء بها السيد المسيح و لقيت مواقفه تلك مساندة واسعة من الأساقفة لعل أبرزها مسانة اسقف ليكوبوليس (أسيوط الحالية).. فما كان من ألكسندروس إلا أن قام بتجريد آريوس من رتبته الكنسية.

لكن البطل الأمازيغي لم يتوقف بقرار عزله فبدأ بمراسلة أساقفة الإمبراطورية الذين يثق في سلامة عقيدتهم حول خطورة ما يقوم به الكسندروس بدعم من قادة الدولة الرومانية الوثنيين و من ابرز من قام بمراسلتهم زميله في مدرسة لوسيان الشهيد أسقف مدينة نيقوميديا (الواقعة في تركيا الحالية) يوسابيوس الذي ساند موقف آريوس مما جعل الصراع يحتدم بين الموحدين و مدعي الوهية المسيح بشكل صار يهدد السلم الإجتماعي في الدولة الرومانية، مما جعل الإمبراطور قسطنطين الذي كان ما يزال على الديانة الوثنية يدعو لإجتماع كافة أساقفة الإمبراطورية في مدينة نيقية في الأناضول لفض الخلاف...
"فض الخلاف" كان المبدأ المعلن لمجمع نيقية سنة 325 لكن الإمبراطور و بتأثير من رجال دولته الوثنيين كان قد قرر أن لا تخرج قرارات نيقية عن دعم إدعاء ات ألكسندروس و الذي أناب عنه في المجمع شخصا خبيثا يدعى أثناسيوس كان واسع العلاقات مع رجال البلاط الامبراطوري بفضل اصوله الوثنية و بارعا في الألاعيب القذرة !
و بعد نقاشات طويلة و خطب بارعة من آريوس و يوسابيوس و قذارة لا متناهية من دعاة التأليه وصلت لقيام قسيس يدعى نيكولاس بالإعتداء بالضرب على آريوس داخل المجمع (و نيكولاس هذا على فكرة هو نفسه سانتا كلوس أو بابا نويل الذي صار يحتفل به اطفالنا في رأس السنة للأسف و الذي رفعته الكنيسة لدرجة قديس مكافئة له على فعلته القذرة في نيقية) !
بعد تلك النقاشات مالت الأغلبية الساحقة للأساقفة المجتمعين لمناصرة آريوس و رفاقه لكن الأوامر الإمبراطورية جاءت بعكس ذلك ! إذ أمر قسطنطين الأساقفة بالتوقيع على بيان يعتبر المسيح ابنا لله و ذو طبيعة لاهوتية لا انسية و أسقط في يد الاساقفة الموحدين، حيث كان الرفض يعرضهم جميعا للقتل و هو صفوة رجال الدين المسيحي في العالم في ذلك الوقت ! فمال غالبيتهم الى التوقيع على وثيقة مقررات نيقية و العودة لمقاومتها من بلدانهم و تزعم يوسابيوس النيقوميدي هذا الرأي، أما آريوس و اثنين من رفاقه فقد رفضوا التوقيع على الوثيقة حتى و ان كان مصيرهم القتل.. فصدر الأمر بنفيهم الى جنوب المانيا !
اما البقية من الاساقفة الموحدين فقد تم عزلهم مباشرة بعد سقوطهم في فخ التوقيع على مقررات نيقية ! و نفي يوسابيوس و بعض الأساقفة الموحدين من ذووي التأثير كإجراء إحتياطي ! و هنا كتب يوسابيوس للإمبراطور قسطنطين رسالة قال له فيها " لقد ارتكبنا خطأ كبيرا أيها الأمير عندما دفعنا خوفنا منكم للموافقة على كفر " !
لكن آريوس عندما وصل لمنفاه في جنوب ألمانيا لم يجلس ليندب حضه بل وقف شامخا يدعو القبائل الجرمانية هناك من قوط و آلان و وندال و غيرهم لدين التوحيد فدخلوا في التوحيد على يده جماعات ليبدؤوا في ما بعد حملات مقدسة انتهت باسقاط الجزء الغربي من الامبراطورية الرومانية كما بيننا في مقالات سابقة !
و في القسطنطينية كانت الأمور تبدو كما لو انها نصر تام لاصحاب عقيدة تأليه المسيح بعد عزل و نفي كل دعات التوحيد.. و لكن تجري الرياح بما لا تشتهي السفن.. فقد اعتنقت الإمبراطورة هيلانة والدة الإمبراطور قسطنطين النصرانية و اعتنقتها على مذهب التوحيد فكان ذلك تحولا كبيرا في مجرى الأحداث ! فقد عملت الإمبراطورة بعد ذلك التاريخ على اعادة الكثير من الاساقفة الموحدين و كان ابرزهم يوسابيوس النيقوميدي الذي عينته مستشارا لها...
و منذ ذلك الوقت بدأ البطل يوسابيوس يعمل على تقليص نفوذ الأساقفة النيقيين فتمكن من عزل اسقف انطاكية ثاني اكبر مدن الامبراطورية و اسقف انقرة حتى تمكن من الإطاحة بزعيم النيقيين أثناسيوس الذي اصبح بابا الاسكندرية في مجمع صور سنة 335 بعد أن أثبت جرائم ذلك الخبيث من اعتداء ات جنسية و جرائم قتل و سحر و شعوذة !
و عندها اصبحت الساحة جاهزة لعودة البطل آريوس من منفاه و بالفعل اصدر الإمبراطور قسطنطين أمرا بالعفو عن آريوس ليعود للقسطنطينية في عام 336 و يستقبله قسطنطين بنفسه لكن و في العام نفسه تم اغتيال البطل الموحد بالسم بتدبير من اسقف القسطنطينية النيقي المسمى ألكسندر...
لكن إغتيال آريوس لم ينهي ديانة التوحيد كما كان يتصور من قتله ! فقد واصل البطل الآخر يوسابيوس عمله حتى دخل على يده الإمبراطور قسطنطين للديانة النصرانية في عام 337 على مذهب التوحيد.. لكن قسطنطين مات في نفس العام بعد ان جمع بين كونه صاحب جريمة مجمع نيقية التحريفي و اول امبراطور روماني موحد في التاريخ... و لكن العبرة بالخواتيم !

بعد وفاة قسطنطين قسمت الامبراطورية بين ابناءه و تسلم الجزء الشرقي ابنه الأوسط قنسطانطيوس و الذي كان على دين جدته و أبيه و لكنه كان أقوى من ابيه في التعامل مع النيقيين فقام الامبراطور الجديد بتعين يوسابيوس النيقوميدي أسقفا للقسطنطينية و هو اعلى منصب ديني في الإمبراطورية انذاك و منع اثناسيوس من العودة للإسكندرية من منفاه الذي ارسله اليه قسطنطين ثم أمر قسطانطيوس الذي وحد الامبراطورية كلها في عام 355 تحت حكمه بعقد مجمعات مسكونية الغت مقررات نيقية و جعل من التوحيد (أو الآريوسية) الدين الرسمي للامبراطورية.

و لكن بوفاة قسطانطيوس عادت الإمبراطورية للوثنية عندما تولى ابن عمه جوليان الملقب بالمرتد ! و عندها بدأت محنة الأريسيين... فقام جوليان هذا بتعذيبهم و قتلهم ليقترف جرائم فضيعة ضدهم لعل ابرزها قتله للاسقف ماريس بعد ان سملوا عينيه ! و مع ذلك و مع كل ما اقترفه جوليان ضد الاريسيين الا انه اصدر قرارا بعودة أثناسيوس زعيم النيقيين لمنصبه في الاسكندرية

و زاد عذاب الأريسيين عندما وصل الأمر لتيودوسيوس الذي كان نيقيا يؤمن بألوهية المسيح، هذا الإمبراطور قام بالغاء جميع المجامع المسكونية التي اقرت دين التوحيد و جرّم كل من يعتقد بالآريوسية فكانت مذابح بشعة في حقهم و نشأت منذ ذلك التاريخ محاكم التفتيش البشعة التي تحرق و تقتل كل من لا يؤمن بعقيدة التثليث التي اقرها مجمع القسطنطينية و ذلك على يد المجرم الاسقف اغوستين !
هذه الجرائم دفعت قبائل الجرمان التي كانت قد اعتنقت الآريوسية للثورة على حكم الرومان فحارب القوط الشرقيون و القوط الغربيون و الوندال و الآلان الإمبراطورية الرومانية بقيادة الملك القوطي يولفيلاس.. و كانت النتيجة ان سقط الجزء الغربي من الإمبراطورية بعد ذلك بسنوات على ابطال الجرمان كآلاريك و تيودوريك القوطيان و جنسريك الوندالي الذي تمكن من قتل المجرم اغوستين عند فتح مدينة عنابة في الجزائر الحالية !

لتتكون بذلك مكان الإمبراطورية الغربية الرومانية ثلاث ممالك جرمانية موحدة: مملكة القوط الشرقيين في ايطاليا الحالية و مملكة القوط الغربيين في اسبانيا و مملكة الوندال في شمال افريقيا !

و لكن سرعان ما تماسك الجزء الشرقي من الإمبراطورية و هي ما بتنا نعرفه بالروم او البيزنطيين و تمكنت من القضاء على دولتي القوط الشرقيين و الوندال و من اجبار ملك القوط الغربيين ريكاردو لتغيير مذهب دولته للتثليث و الإيقاع بالاريسيين (و هي الدولة التي فتحها الفاتح العظيم طارق بن زياد).

إنتهى المذهب الآريوسي رسميا في العام 586 للميلاد بتغيير ريكاردو لمذهب القوط الغربيين في اسبانيا اي عندما كان عمر رسول الله عليه الصلاة و السلام 17 عاما..

لهذا بين الرسول الأعظم صلى الله عليه و سلم لامبراطور الروم في تلك الرسالة العظيمة أن دعوة الإسلام انما هي دعوة المسيح عليه السلام و دعوة المخلصين للتوحيد من آريوس و يوسابيوس و غيرهم ممن تخيل الروم انهم قضوا عليها للأبد... "فإن توليت فعليك إثم ما إقترفتموه من جرائم بحق الموحدين الأريسيين" هذه هي الرسالة التي اراد النبي عليه الصلاة و السلام ابلاغها لعظيم الروم و هي التي جعلته يضطرب كل ذلك الإضطراب !
صلى الله على محمد و على آله و صحبه أجمعين.

المصدر