أحدث المشاركات
جاري جلب احدث المواضيع ...

الموت الأسود




كان الوباء الكارثي الذى عرف بالطاعون الأسود وانتشر أولا في أوروبا في منتصف القرن الرابع عشر وتحديدا ما بين 1347 و1350 ويقدر المؤرخون انه قتل حوالى ثلث سكان أوروبا. وكان وباء الطاعون القاتل قد انتشر ايضا في اجزاء كبيرة من دول آسيا والمنطقة العربية خلال نفس الوقت وهذا يدل على أنه كان وباء عالميا . ويعتقد أن نفس الوباء قد عاد الى أوروبا خلال القرون التالية مع درجات متفاوتة من الشدة والدمار حتى القرن الثامن عشر. ومن أشهرها الوباء العظيم في مدينة ميلان ما بين 1629 و1631 والطاعون العظيم في لندن 1664 و1665 والطاعون العظيم الذي اصاب فيينا عام 1679.

ضحايا المرض
أطلق عليه في أوروبا اسم" الموت العظيم" من قبل الكتاب المعاصرين , وعندما ارتفعت معدلات انتشاره أطلق عليه اسم "الموت الأسود" بسبب الأعراض المميزة للمرض التي يطلق عليها اسم "التنكرز "و تعني "الموت الموضعي للأنسجة الحية" الذي يعاني منه ضحايا المرض ويجعل بشرتهم سوداء بعد نزيفها بشكل متواصل. ويعزو المؤرخون كارثة الموت الاسود الى انتشار مرض الطاعون وهو وباء كان يعتقد لوقت طويل- انه ينشأ عن نوع من البكتيريا تحمله البراغيث الموجودة في أنواع من الحيوانات مثل, الفأر الأسود, وان كان العلماء اليوم يشكون في نوع الميكروبات التي تنقل المرض وطريقة انتقاله.

كان هذا النوع من الطاعون مرضا مستوطنا في وسط آسيا وكان يعرف انه سبب الوفاة بين المهاجرين وسكان المنطقة. ولكن حتى الان ليس من الواضح تماما كيف بدأ الطاعون الاسود في القرن الرابع عشر وإن كان على الارجح بدأ من شمال الهند وأنه حمل من هناك الى الغرب من خلال التجار وجيوش المغول عبر ما يعرف بطريق الحرير.

و لكن على اية حال فأيا كان السبب وراء الطاعون فمن الواضح ان عدة ملابسات سابقة كانت قد ساهمت في انتشاره في أوروبا مثل الحرب والمجاعة والظروف المناخية . كانت الحرب الاهلية المدمرة في الصين بين السكان الصينيين والمغول قد تأججت ما بين القرن الثالث عشر ومنتصف القرن الرابع عشر وكانت هذه الحرب قد أوقفت أنماط التجارة والزراعة, وقادت إلى فترات طويلة من انتشار المجاعة, وكانت أنماط المناخ الكارثية قد وصلت الى قمتها في النصف الاول من القرن الرابع عشر مع نتائج مدمرة حول العالم.

في السنوات ما بين 1315 و1322 هاجمت "المجاعة المدمرة" التي تعرف باسم "المجاعة الكبرى " جميع دول شمال أوروبا وكان نقص الغذاء وارتفاع أسعاره قد أصبح إحدى حقائق الحياة قبل قرن من اندلاع وباء الطاعون, وكان نقص الطعام وعدم توفر فرص الحصول عليه قد رفعا من معدلات المجاعة وسوء التغذية. وقد نتج عن هذا ضعف مناعة البشر تجاه الأمراض وهو ما يعرف باسم " نقص المناعة". وكان الاقتصاد الاوروبي قد دخل دورة مفرغة فيها الجوع والامراض قد قللت من معدلات الانتاج.

تكدس الجثث
و يعتقد ان حركة القوات المغولية وقوافل التجار قد جلبت الطاعون الاسود من وسط اسيا الى منطقة الشرق الاوسط ومنها الى أوروبا. ويذكر معظم المؤرخين أن أولى الحالات كانت في مدينة التجارة في القسطنطينية خلال عام 1347. وفي نفس العام وقعت حالات اخرى فيما يعرف الان بأوكرانيا وفي عام 1347 بدأ المرض يهاجم الجيوش. وطبقا لما ذكره بعض المؤرخين فان الموتي كانوا بأعداد ضخمة حتى أنه لم يكن هناك أي وقت لدفنهم وتكدست الجثث مثل حطب الوقود أمام الأسوار المطوقة للمدن.
و في أكتوبر 1347 وصل اسطول من الجيش المغولي الى إحدى المدن الإيطالية وكان يحمل عدد كبيرا من المصابين بالمرض والموتي من جراء الاصابة به ويعتقد ايضا ان الاسطول حمل فئرانا مصابة وهكذا انتشر المرض في مدينتى جنوا والبندقية.

و من ايطاليا انتشر المرض عبر شمال غرب أوروبا وهاجم فرنسا وإسبانيا وبريطانيا, وفي يونيو 1348 انتقل الى المانيا واسكندنافيا, وأخيرا وصل الى شمال وغرب روسيا عام 1351. في حين ان بعض الدول الاوروبية لم يصلها الوباء ومنها بولندا وهولندا.

وأخيرا انتقل الوباء الى دول عديدة في منطقة الشرق الاوسط مما أدى إلى القضاء على عدد كبير من سكان المنطقة وتغيرات اقتصادية واجتماعية طويلة المدى في النسيج الخاص بتلك المنطقة. وكان الوباء قد وصل الى المنطقة من جنوب روسيا الى بغداد, وفي خريف عام 1347 وصل الوباء الى الاسكندرية في مصر من خلال ميناء تجاري مع القسطنطينية ومواني على البحر الاسود. وخلال عام 1348 انتقل الى غزة في فلسطين والى شمال وشرق سواحل مدن سورية وفلسطين بما فيها عسقلان والقدس ودمشق وحمص وحلب. وما بين 1348 و1349 وصل مكة عن طرق الحجاج الذين جاءوا من المناطق الموبوءة المحيطة وخلال نفس العام أظهرت السجلات أن مدنية الموصل عانت من الوباء بشكل حاد وواجهت بغداد دورة ثانية من الوباء. وفي عام 1351 عاد الملك مجاهد الدين الى اليمن من القاهرة وجلب معه المرض.

وبشكل عام فإن المؤرخين يقدرون عدد الذين حصدهم الموت الاسود بحوالى 25 مليون انسان في أوروبا وحدها, في حين يقدر أنه في آسيا فقط حصد أرواح 90 في المئة من السكان. وأن أعداداً كبيرة من الضحايا سقطت في البلاد العربية والاسلامية خاصة في فلسطين وسورية. أما الذين لم يصبهم المرض فقد هربوا تاركين منازلهم وأراضيهم ومن ثم, فان مساحات كبيرة من الاراضي الزراعية قد هجرت واصابها الدمار اما في مصر فيقدر ان عدد الضحاي تجاوز ال100 الف قتيل في القاهرة فقط. وفي سوريا وصل الرقم إلى 500 ألف في مدينة حلب وحدها ولكن بشكل عام يري المؤرخون أن معدل الوفيات في الدول العربية كان اقل من أوروبا وآسيا وأنها وصلت لأقل من ثلث تعداد السكان بسبب ارتفاع مستوى الرعاية الصحية والتقدم العلمي والطبي وقتها.

مسؤولية اليهود
و في أوروبا اعتقد المسيحيون أن الوباء من صنع اليهود الذين قاموا بتسميم الآبار خاصة أنهم عاشوا في احيائهم الخاصة لم يصابوا بالمرض اللعين حيث ابتعدوا عن الاختلاط بالشعب الذي انتقل اليه المرض وقد أدي إلى اعدام عدد كبير منهم في بعض الدول الاوروبية وكان ايضا نتيجة الطاعون الأسود بداية ظهور الاتجاهات العلمانية في أوروبا حيث ضعف الإيمان بالكنيسة الكاثوليكية التي وعدت بالقضاء على آثار المرض اللعين ولكن مع استمرار الموت والجوع ضعف الايمان بالكنيسة. وارتفع عدد ثورات الفلاحين بعض من البلدان الاوروبية الذين وجدوا فرصة لسيادتهم بعد ان قل عدد سكان أوروبا بنسبة وصلت الى 50 في المئة في بعض البلدان. مما وفر أسعارا أرخص للأراضي وفرصا أعلى لتوفير الطعام للفلاحين العاديين.

وفي عام 2001 قام عالما الأوبئة سوزان سكوت وكريستوفر دونكان من جامعة ليفربول بوضع نظرية حول أن سبب انتشار الطاعون الأسود في القرن الرابع عشر كان من خلال فيروس شبيه بفيروس الإيبولا وليس بكتيريا كما كان يعتقد من قبل. ولكن على أية حال فإن وباء الطاعون عاد مرات مختلفة في القرون التالية الى ان تم القضاء عليه في العصور الحديثة