7/07/2019

كشف العلوم الزائفة ( المقدمة )

هل تعرف من يؤمن بالأبراج بل و يسميها جهلاً بـ - علم الفلك؟  هل سمعت يوماً بمن يؤمن بالقدرة على تحريك الأشياء من بعد بقدرات عقلية خارقة ؟ في الحقيقة هذه مجرد أمثلة بسيطة للعلوم الزائفة.

العلوم الزائفة أو الـ Pseudosciences مصطلح انتشر حديثاً ليصف بعض ما يُتناقل بين الناس و تفرد له صفحات الجرائد و تكتب له كتب كثيرة و يحقق ادعيائه أرباحاً طائلة منه إذ يستغلون المغفلين و الصيحات الاجتماعية لتحقيق مكاسب شخصية، و كل ذلك بإسم العلم و تحت مسماه، و بإدلة "لا علمية" معروضة بطريقة " شبه علمية" لخداع عقول البسطاء من الناس.

كشف العلوم الزائفة ( المقدمة )

مقدمة في كشف العلوم الزائفة 


في هذه السلسلة سنتناول بعض العلوم الزائفة التي انتشرت في العالم مؤخراً، و سنوضح مكامن خطأها و عدم دقتها، و بأدلة علمية صريحة و واضحة . 

في البداية علينا أن نوضح المفاهيم التالية :

ما هو العلم و ما هي خصائصه؟  

يُعرف العلم على أنه المعرفة (ما تم اكتشافه او اختراعه) ، و العملية التي يُكتسب عن طريقها المزيد من المعرفة (البحث العلمي: الملاحظة ، التجارب ، الفرضيات، و الاختبارات)، و الهدف من العلم هو تفسير ظواهر معينة، أو التنبؤ بحوادث معينة، أو التحكم بعمليات لإجل الحصول على نتائج محددة.

و ينقسم العلم إلى أربعة فروع اساسية هي العلوم الطبيعية و العلوم النظرية و العلوم الاجتماعية و العلوم التطبيقية.

كما يتميز العلم بإنه منطقي و منهجي إذ أنه يعتمد منهج البحث العلمي للوصول إلى اي نتيجة، و البحث العلمي باختصار يتكون من الخطوات التالية بالترتيب :
  1. الملاحظة.
  2.  الفرضية.
  3.  اختبار الفرضية.
  4.  قياس نتائج اختبار الفرضية بموضوعية و بشكل شامل. 

ما هي العلوم الزائفة؟ 

العلوم الزائفة هي اعتقادات و نظريات و افتراضات و ممارسات يتم الإدعاء أنها مبنية على العلم، و يتم تسميتها ب "حقائق" و "قوانين" إلا أنها تفتقر إلى مكونات و خصائص العلم، و لا تستند إلى المنهج العلمي إطلاقاً.

تتسم هذه العلوم بالمبالغة في نتائجها و التناقض مع الواقع، و عدم قابلية دحضها إذ أنها غير قابلة للقياس و لا يمكن التحقق من صحتها، كما تتميز بعدم استنادها إلى المنطق، و عدم وجود منهجية تحكمها. 


كيف نميز العلوم الزائفة ؟ 

في الحقيقة تمييز هذه العلوم ليس سهلاً، فأدعيائها يروون قصصاً و تجارب و أخباراً من شتى أنحاء العالم و على مر العصور ليثبتوا صدق "نظرياتهم"، و تبدو هذه التجارب مصادر علمية موثوقة لغير عين الخبير المدقق، الذي لا يعرف أو لا يطبق أساسيات البحث العلمي.

لا توجد قاعدة عامة تميز كل العلوم الزائفة بالمطلق، إلا أنها في أغلبيتها ليست مبنية على مبدأ البحث العلمي الموضح أعلاه، فترى الشخص مثلاً يقفز من الملاحظة فوراً إلى النتيجة، من غير أن يختبر صحة الفرضية (مثل علم الأبراج)، أو أن يجري الشخص مثلاً تجربة لإختبار صحة فرضيته من المستحيل قياس نتيجتها (مثل قانون الجذب - إذا فشلت في تطبيقه فذلك لخلل في عقلك و روحك!؟)

كما تتميز الكثير من العلوم الزائفة بإدعاءات الشمولية لكل المواقف و كل الحالات، , هذه الشمولية ليست قابلة للقياس، بل إنها قد تلوم الضحية الذي لا تجدي معه تقنيات و خدع هذه العلوم، مثلاً: (أنت لست إيجابياً  و لم تتخيل بما فيه الكفاية،  لهذا لم تنجح، هذا خطأك الخاص، و ليس خطأ قانون الجذب - الحقيقة المطلقة!!)

في الحقيقة كل ما يلزم لنكشف العلوم الزائفة هو قليل من الفضول يقودنا للتحقق الدائم من صحة ما يُروى لنا من مصادر مختلفة بدل التصديق الأعمى.

لماذا تنتشر العلوم الزائفة بين الناس؟

تنتشر هذه العلوم بين الناس لنفس سبب زيفها، إذ تعد الناس بنتائج خارقة بوقت قصير للغاية، فمثلاً هل تريد أن تعرف كيف ستشعر اليوم و كيف سيتعامل الناس معك؟ ما عليك إلا ان تطالع برجك!  هل تريد أن تكون ناجحاً ؟ مارس ترهات التنمية العصبية اللغوية NLP و ستكون ناجحاً الآن .

و مع انتشار هذه العلوم وجد جيل كامل من "مدربي الحياة life coaches" و "المتحدثين" و "الدجالين" و "الكتاب" و غيرهم مصدر رزقهم في نشر و ترديد هذه العلوم الزائفة ، و أضحى الكثير من هذه العلوم تجارة بمليارات الدولارات، و هي في الحقيقة لا تفيد بشيء سوى أنها وسائل تخدير للناس و طريقة خبيثة للسطو على أموالهم و هم متحمسون ضاحكون!

و يدعم انتشار هذه العلوم كثيراً نظريات المؤامرة المنتشرة بين الناس، فعلى سبيل المثال يقول دعاة الطب البديل: شركات الأدوية تعتم عليك فوائد هذه النبتة في علاج السرطان كي تجبرك على شراء ادويتها باهظة الأثمان ! (بالطبع لا ننفى عدم براءة شركات الأدوية، و لا ننفي فوائد الطب البديل، فهذا مبحث علمي خاص، لكن هل افتراض أن شركات الأدوية تعتم عليك بلا تحقق يعني أن هذه النبتة تعالج السرطان؟! هل هذا كلام علمي؟) 

يكمن الخطر الأعظم لهذه العلوم في أنها تخدر الناس عن الحقيقة، و توجههم إلى عوالم من السراب و من الأوهام، و تأخذ أموالهم و أوقاتهم و عقولهم كل ذلك لإجل الوصول إلى "جنة زائفة" تبدو براقة من بعيد، لكنها محض أوهام لا أكثر لا يصل أحد إليها إلا دعاتها!

هل هذا يعني أن كل ما في العلوم الزائفة خاطئ بالمطلق ؟ 

في الحقيقة، كلا، الكثير من اجزاء هذه العلوم ممكن، بل و له شواهد و حتى قد يكون مفيداً و مؤثراً ، فمثلاً أن تنظر للحياة بإيجابية دوماً (علم النفس الإيجابي - علم زائف) يمكن أن يؤدي لنتائج رائعة إذا توافرت ظروف أخرى مواتية، و هذا مستند لمبدأ نفسي يسمى Pygmalion Effect، المعني بتحقيق نبوؤاتك الخاصة عن نفسك لا شعورياً، فمثلاً إإذا كنت ترى نفسك قوياً فستفعل ما يناسب كونك قوياً مما يعزز هذا الشعور، و إذا كنت ترى نفسك ضعيفاً فستفعل ما يتناسب مع كونك ضعيفاً مما يعزز هذا الشعور أيضاً، و لفهم هذا المبدأ بشكل أكبر يمكنكم متابعة فيديو عنه من هنا.

 لكن الإدعاء أن (علم النفس الإيجابي) لوحده قادر على تغيير حياتك حتى لو كنت تدور بين سلات القمامة بحثاً عن الطعام فهذا أمر مثير للسخرية.

إذاً تحتوي طيات هذه العلوم على أفكار و مبادئ صحيحة، لكن اعتبارها علوماً حقيقية و تصديق كل ما تأتي به و الإيمان بها بشكل مطلق وصفة مثالية للسذاجة، و لتبديد الطاقات و الأموال و الأوقات.

الكاتب: يزن الشربجي | طور قدراتك